قلعة بخروش..
الماضي للإلهام وليس للتقليد كما أنه للاستمرار وليس للتكرار، وتلك هي فلسفة الماضي في عمق كل تاريخ يرسمه السابق للاحق.
ابتداءً تعتبر المملكة العربية السعودية وبالنظر إلى نطاقها الجغرافي وتوسطها القاري وبعدها القومي والإسلامي حاضنة للكثير من التراث، ومستودع قيّم للكثير من الهالات التاريخية والمعالم المتجذرة في التاريخ بشقيه العربي والإسلامي، بل والإنساني كذلك، وحين تفتش في هذا الزخم الحضاري وما يحويه من إرث ثقافي وعمراني سيقترن الاختيار بالكثير من الحيرة، ويزداد التردد كل ما تسامقت أسقف ذلك التراث في سماء السناء والرفعة لتجد نفسك أمام زوايا مضيئة لذلك التاريخ، وقبب معلَّمة من تلك الحقب، وتستبيحكم هذه الحروف عذراً أن تكون لمحة متواضعة في واحدة من أجلِّ ذلك الإرث وأشهر تلك المعالم .
قلعة بخروش أو ما عُرف بحصون بخروش بن علاس الكائنة جغرافيا في الجنوب الغربي للملكة العربية السعودية في منطقة الباحة وتحديداً في قرية قريش الحسن التابعة لمحافظة القرى، وتبعد قرابة الـ 35 كيلو متراً شمالاً من وسط المدينة.
وبوقوفك على تلك القلعة تدرك المكانة التي تحملها وتشي بالكثير من هيبة تلك القلعة، وما كانت تحتضنه من قيمة تاريخية سامية، وما جسدته تلك الأحجار المتراصة في تلك الربوة من أصالة ترجمها الشموخ، وإباء شرحه الصمود، وكأنها تستشرف المارة لتحكي قصة من قصص الشرف ورواية زاكية من مرويات العرب، وتبقى الصورة مخلة في إيصال ما عانقته تلك الجبال، وعذرا فقد يتعالى الإنصاف على تلك الأحرف التي تدّعي أنها موصلة للمعنى لتبقى حبيسة النقص وضعيفة النَفَس.
دهشة البهاء وبهاء الدهشة يستيقظ في ذلك الحصن المبني من الحجر، ويُثار نقع الأعجاب ببراعة التركيب ومهارة الصانع وتستيقظ الدهشة باستشعار ضعف الآلة وقل المورد، وهذه أحرف تلك الإجادة وعظمة الدقة وجلالة الصمود وكأنها بنيت بالأمس.
تأخذ الحصون عادةً شكليّ المربع أو الدائري، و تسمى بالقلعة أو الحصن مع الفارق الدقيق بين المصطلحين، وأياً كان المسمى الأصح، فقد حوت تلك القلعة شكليّ القلاع وتمثلت بهما معاً فهي عبارة عن حصون دائرية الشكل بنيت على رابية من الأرض وقد اختير مكانها بعناية شديدة لأبعاد عسكرية و أمنية، يربطها ببعضها أسوار متينة مبنية بالأحجار الكبيرة، و يتوسطها حصن كبير بشكل مربع، وباحة تتوسط البناء والأسوار، ويسمى ذلك الحصن الأوسط بمجلس المشيخة أو مجلس الأمارة، ويمكن تسميته بمجلس القيادة والسيطرة إن جاز التعبير، وتحوي القلعة ذلك المجلس والمكون من عدة أدوار، وفي داخله بركة كبيرة مجزأة من ثلاث طوابق تمثل الاحتياطي المائي لتلك القلعة، وسقياً للخيل، كما تحوي القلعة أبراج صغيرة من الجهة الشرقية معدة للرماة على تلك الأسوار، كما تحوي ممراً سرياً في باطن الأرض يوصل لبعض الدور القريبة، ويمثل خط التموين السري لتلك القلعة. ولا غنى عن مربط الخيول كما جرت العادة.
بُنيت تلك القلعة في عام 1218للهجرة على يد القائد بخروش بن علاس في عهد الدولة السعودية الأولى في عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود بن مقرن، وبسبب الحاجة الملحة لها في تلك الفترة خاصة مع رغبة الأتراك في عزل ذلك الإقليم عن الدرعية وتحسباً للغارات الغاشمة، فقد باتت القلعة ملحة، لتصبح مقراً للأمارة ومركزا للقيادة ومكاناً صالحاً للتعبئة العسكرية والبشرية، ومذ بنيت وحتى نهاية حكم بخروش قد كانت نقطة انطلاق القائد وجيشه، وهي الآن كما نراها رغم ثقل مرور السنين وتعاقب الأزمنة إلا أنها بذات الصفة التي بنيت بها قبل 220 سنة، أما مساحة القلعة فقد تقدر بــ 2000متر مربع، ويقدر قطر الحصن الواحد بحوالي 6 أمتار، وتقاربت كثيراً مع بناء قلاع الدرعية من حيث شكلها العام ونمطها العمراني مع اختلاف مواد الصنع، وبقيت مقرا للحكم حتى نهايته في عام 1230للهجرة.
سميت بذلك الاسم كما هو معلوم وظاهر نسبة إلى بخروش بن علاس الزهراني أمير قومه حينئذ وقائدهم العسكري والذي حضي باستحقاق الأمارة والقيادة بما ملكه من شجاعة فذة، ومهارة عسكرية ترجمتها الكثير من الحروب التي خاضها والمعارك التي قادها، فأصبح أيقونة النضال وشوكة في لهاة الطامعين، وقوة رادعة لتقدمهم، والحق أحق بنطْق عدو وتقرير كاره وبهذا يقول: Giovanni Finati "لم يشهد العرب أشجع من بخروش في زمانه" وأصدق منه تلك المعارك التي أُثبت من خلالها قدرة استثنائية لمقاتل قلّ أن تجد نظيره، وشجاعة أرهبت أولئك الغزاة، وحطت من عزيمتهم.
صد القائد بخروش بن علاس همجية الترك مرات عديدة، وفي كل مرة يثبت أن لا مزية للعدد والعتاد امام العبقرية العسكرية والشجاعة المتقدة وبراعة القيادة وفرادة الروح، فمعركة تربة ومعركة القنفذة ومعركة ناصرة وبسل ووادي قريش ينصف سردها التاريخي الكثير والكثير، كما تبت بجلاء روح النجدة، وشيم الأحرار، وتلبية المستغيث، كما حصل مع رفيق دربه طامي المتحمي والذي تشابهت خطواتهم كثيراً في صد الغازي وقهر العدوان.
الجدير بالذكر انه من الصعب الإحاطة بتلك القلعة وقائدها وما حملته من أحداث متعاقبة ولكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق كما يقال وليست هذا الكلمات الا مرور هزيل أمام تلك المجريات ولعلها إشارة ملهمة للكثير لمزيد من البحث والاستقصاء والخروج بمادة معرفية عما توشح تلك القلعة من بطولة وما توشحت هي من أمجاد.