تحتل منطقة مكة المكرمة مكانة لا تضاهيها بقعة أخرى على وجه الأرض، فهي مهبط الوحي، وموطن البيت العتيق الذي يهفو إليه قلب كل مسلم، ومسرح لأعظم الأحداث في تاريخ الإسلام منذ فجر الدعوة وحتى يومنا هذا. ولم تكن قداسة هذه المنطقة مقتصرة على المسجد الحرام وحده، بل امتدت لتشمل كل شبر من أرضها؛ فجبل النور الذي شهد نزول أول آيات القرآن الكريم، وجبل ثور الذي احتضن النبي ﷺ وصاحبه أبا بكر الصديق رضي الله عنه في رحلة الهجرة، وموضع الحديبية الذي شهد صلحًا غيّر مسار الدعوة الإسلامية، كلها معالم تجعل من مكة المكرمة ومحيطها متحفًا مفتوحًا للسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بأكمله.

وإلى جانب هذا الإرث النبوي المباشر، تزخر منطقة مكة المكرمة بمنظومة واسعة من المواقع الأثرية التي توثق تعاقب الحضارات والأنشطة الإنسانية عبر العصور؛ من قلعة عسفان التي كانت محطة على طرق القوافل القديمة، إلى آثار خليص ورابغ والقنفذة التي تحمل بصمات الاستيطان البشري المبكر، وصولًا إلى ميناء السرين الأثري الذي يشهد على النشاط البحري والتجاري الذي عرفته سواحل البحر الأحمر منذ قرون بعيدة. وتضم المنطقة أيضًا مجموعة من المساجد التاريخية العريقة، كمسجد البيعة ومسجد الجن ومسجد عائشة "التنعيم" ومسجد الإجابة، وكلها معالم تروي فصولًا من تاريخ الدعوة الإسلامية وتضرب بجذورها في عمق الأرض المقدسة.

ولعل من أبرز ما يميز هذا الإرث الثري في منطقة مكة المكرمة، أنه لا يقتصر على الشواهد الدينية والعسكرية فحسب، بل يمتد ليشمل منشآت هندسية واقتصادية واجتماعية بالغة التطور، صممها الإنسان المسلم عبر العصور لخدمة بيت الله الحرام وضيوفه القادمين إليه من كل حدب وصوب. ومن أبرز هذه المنشآت وأكثرها استمرارية عبر التاريخ، تبرز عين زبيدة، تلك الشبكة المائية التي شقت طريقها عبر الجبال والأودية لتروي عطش الحجيج على مدى أكثر من اثني عشر قرنًا، فصارت رمزًا للوفاء الإنساني قبل أن تكون منشأة هندسية، وشاهدًا على عمق العلاقة بين العمارة الإسلامية وخدمة الحرمين الشريفين، ونموذجًا يُستحضر كلما أُريد الحديث عن براعة المهندس المسلم في تسخير علمه لخدمة الإنسان.

يقع مسار عين زبيدة في وادي نعمان، على الطريق الواصل بين الطائف ومكة المكرمة، وتمتد قنواتها من أعالي جبال كرا بالقرب من الطائف حتى مشعر عرفات بمكة المكرمة. وقد سُميت هذه الشبكة المائية باسم زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، زوجة الخليفة هارون الرشيد، التي أمرت بإيصال المياه إلى مكة المكرمة بعدما شهدت بنفسها ما يلقاه الحجاج من مشقة في جلب الماء من موضع الأوجر أسفل جبل كرا. وتحرص المملكة العربية السعودية اليوم على صون هذا الإرث الإنساني والهندسي، إذ تُشرف الهيئة العامة للأوقاف على وقف عين زبيدة، حفاظًا على استمرارية هذه المنشأة التي ظلت تنبض بالحياة منذ العصر العباسي وحتى يومنا هذا.

خلود الأسماء

ترتبط قصة عين زبيدة بموقف إنساني نبيل سطّرته زبيدة بنت جعفر حين رأت بأم عينها معاناة الحجاج في الحصول على الماء أثناء تأديتهم مناسك الحج. فأمرت بشق قنوات مائية توصل الماء من وادي نعمان إلى المسجد الحرام، مرورًا بالمشاعر المقدسة منى وعرفات ومزدلفة، بل إنها اشترت جميع الأراضي المحيطة بالوادي لضمان استمرار تدفق المياه دون معوقات. واستغرق هذا المشروع الضخم عشر سنوات كاملة من العمل المتواصل، حتى اكتمل عام 174هـ الموافق 791م، ليحمل اسم صاحبته وفاءً لهمتها وعزمها، ويبقى شاهدًا على أن أعظم المنشآت الهندسية في التاريخ الإسلامي وُلدت أحيانًا من رحمة امرأة واحدة تأثرت بمعاناة الحجاج.

مسارات الماء

يبلغ طول قنوات عين زبيدة نحو 38 كيلومترًا من منبعها في وادي نعمان حتى وصولها إلى مكة المكرمة، في مسار هندسي دقيق يعبر تضاريس جبلية وعرة قبل أن ينساب الماء إلى قلب الحرم. وتخترق هذا المسار الطويل غرف تفتيش تُعرف بـ"الخرزات"، بعضها ظاهر على سطح الأرض ويسهل رصده، وأخرى مدفونة تحت التراب حُدد موضعها دون أن تظهر ملامحها. ونظرًا لمرور القناة بمجرى أحد السيول، أقام المهندسون سدًا لحجز مياه الأمطار والتحكم في تدفقها لري المزارع الواقعة أسفله، ولا تزال أجزاء من هذا السد قائمة حتى اليوم، شاهدة على دقة التخطيط الذي واكب هذا المشروع منذ لحظته الأولى.

نحت الجبال

يواصل الماء رحلته من السد باتجاه مشعر مزدلفة، ثم إلى الجبل الواقع خلف منى، قبل أن يصب في بئر مرصوفة بأحجار ضخمة تُعرف بـ"بئر زبيدة". ومن هناك يمتد المجرى نحو مكة المكرمة، مارًا بأحياء العزيزية والششة والمعابدة، حيث يعود ليأخذ مساره مدفونًا على أعماق قريبة من سطح الأرض، حتى ينتهي إلى موضع يُعرف بـ"محبس الجن"، وهو ختام امتداد هذه القناة العريقة. ويكشف هذا المسار المتشعب عن مستوى متقدم من الفهم الهندسي لطبيعة الأرض وانحداراتها، إذ استطاع مهندسو ذلك العصر توجيه الماء عبر مسافات طويلة معتمدين على الجاذبية الأرضية وحدها، في إنجاز يُحسب لعلم الهندسة المائية الإسلامية المبكرة.

عناية الخلفاء والملوك

حظيت عين زبيدة برعاية متصلة من الخلفاء والسلاطين والأمراء والأثرياء الذين توالوا على الحكم في الأقطار الإسلامية عبر القرون، فكانوا كلما بلغهم خبر تضررها، يبادرون إلى ترميمها وإصلاح ما تهدم من قنواتها، حفاظًا على استمرار تدفق الماء إلى بيت الله الحرام وضيوفه. وقد وصف الإمام والمؤرخ عبدالله بن أسعد اليافعي هذه المنشأة بعبارات تحمل انبهارًا بالغًا، معتبرًا آثارها عمارة عجيبة يعجز الوصف عن بلوغ حسنها، وأشار إلى عمقها الشديد الذي يصعب الوصول إلى قراره إلا عبر درجات كثيرة أشبه بالنزول في بئر مظلمة. وتوالت أعمال الصيانة والترميم هذه جيلًا بعد جيل، لتبقى عين زبيدة شريان حياة لا ينضب على امتداد قرون طويلة من التاريخ الإسلامي.

المؤسسي وعين زبيدة

في العصر الحديث، أولى الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه- عين زبيدة عناية خاصة، فأمر بترميمها الشامل، وأنشأ إدارة خاصة لإدارتها حملت اسم "عين زبيدة"، تولت الإشراف الكامل على العين والآبار التابعة لها وأعمال ترميمها. وفي عام 1346هـ الموافق 1929م، كلّف الملك عبدالعزيز الشيخ عبدالله دهلوي بعمارة عين زبيدة، فاستغرق العمل سنوات عدة، أُعيد بعدها توزيع مياهها على أحياء مكة المكرمة عبر مجارٍ صغيرة عُرفت بـ"الدبول"، تصب في آبار عميقة تُعرف بـ"البازان"، تسحب منها السقايا الماء بالدلاء، ليوزع بعد ذلك على البيوت في أوعية خاصة تُعرف بـ"الزفا". وبهذه الجهود، استعادت عين زبيدة عافيتها بعد فترات من الإهمال، لتواصل أداء رسالتها في خدمة الحجاج وأهالي مكة المكرمة.

الوقفٌ الخالد

لا تزال عين زبيدة حتى يومنا هذا وقفًا عامًا قائمًا بذاته، تشرف عليه الهيئة العامة للأوقاف، في استمرارية نادرة لمنشأة خيرية يمتد عمرها إلى أكثر من اثني عشر قرنًا. وتمثل هذه الاستمرارية شهادة على متانة النظام الوقفي في التراث الإسلامي، الذي أتاح لمنشأة أنشأتها امرأة واحدة في القرن الثاني الهجري أن تظل حاضرة وفاعلة حتى القرن الخامس عشر الهجري، بفضل تعاقب الرعاية عليها من الخلفاء والسلاطين قديمًا، ومن الدولة السعودية حديثًا. وهكذا تبقى عين زبيدة نموذجًا حيًا يُستحضر كلما أُريد الحديث عن العلاقة الوثيقة بين العمارة والإيمان في تاريخ الحرمين الشريفين.

ختامًا..

يظل مسار عين زبيدة أثرًا هندسيًا وإنسانيًا فريدًا، جمع بين دقة الحساب وسخاء القلب، ونقل الماء عبر ثمانية وثلاثين كيلومترًا من الجبال الوعرة ليصل إلى بيت الله الحرام. من موقف زبيدة بنت جعفر أمام معاناة الحجاج، إلى قنوات نحتت الصخر بعناية مهندسين مجهولي الاسم معروفي الأثر، إلى عناية الملك عبدالعزيز التي أعادت للعين نبضها في العصر الحديث، تبقى هذه المنشأة شاهدة على أن أعظم الإرث ليس ما يُبنى من حجر فحسب، بل ما يُسخّر من جهد وعلم في خدمة الإنسان وضيوف الرحمن.