تمتد منطقة جازان على الطرف الجنوبي الغربي من المملكة العربية السعودية، حيث يلتقي البحر الأحمر بسلسلة من الجزر والسهول الساحلية التي احتضنت على مر العصور حضارات متعاقبة، تركت بصماتها في كل شبر من هذه الأرض الخصبة. وتتميز جازان بتنوع مواقعها السياحية والتراثية، بفضل بيئتها الطبيعية الفريدة وتاريخها العريق الذي مرت به حضارات مختلفة، ما يمنحها طابعًا جماليًا وثقافيًا يبرز مكانتها بين الوجهات المميزة في المملكة. ومن أبرز ما يميز هذه المنطقة، جزر فرسان، ذلك الأرخبيل الذي يضم مجموعة من الجزر المرجانية، وتحمل في طياتها إرثًا معماريًا وتاريخيًا نادرًا يمتد لآلاف السنين.

وتزخر جزيرة فرسان بمواقع أثرية متعددة توثق تعاقب الحضارات عليها، من قلعة لقمان التي شيدها العثمانيون، إلى البيوت التراثية القديمة المتناثرة في أنحاء الجزيرة والتي تعكس عمارة أهلها الأصيلة، وصولًا إلى قرية القصار التراثية، التي تُعد من أهم القرى وأقدم المجتمعات البشرية التي استوطنت هذه الجزيرة منذ مئات السنين. وقد أهّلت هذه القرية خصائصها الطبيعية الفريدة، من اعتدال مناخها على مدار العام، وكثرة أشجار النخيل والأشجار المعمرة فيها، ووفرة مياهها العذبة، لتكون محطة استيطان واستقرار لسكان الجزيرة عبر قرون طويلة من الزمن.

وتقع قرية القصار التراثية على بعد نحو خمسة كيلومترات من محافظة جزر فرسان، وتُعد اليوم واحدة من أبرز المواقع السياحية الجاذبة للزوار والباحثين، بفضل مبانيها التراثية المحاطة بالنخيل، ونقوشها الأثرية التي تروي حكاية حضارات متعاقبة سكنت هذه البقعة من الوطن. وفيما يلي جولة موسعة في أبرز ملامح هذه القرية التي تختزل في حجارتها ونقوشها قصة إنسان فرسان عبر العصور.

جزيرة تنبض تاريخاً

تقع قرية القصار التراثية في جزيرة فرسان التابعة لمنطقة جازان جنوب غرب المملكة العربية السعودية، وتشتهر بكثرة النخيل والأشجار المعمرة، وهي واحدة من أهم القرى بجزيرة فرسان ومن أوائل المواقع التي سُكنت بالجزيرة منذ مئات السنين. وتعود أهمية هذا الموقع إلى ما تميز به من اعتدال في الجو على مدار العام، وكثرة النخيل والأشجار المعمرة، ووفرة المياه العذبة بعدة آبار حُفرت في القرية لأغراض الشرب وري المزارع، إذ لا يزيد عمق مياهها الجوفية على سبعة أمتار، وهي خاصية نادرة جعلت من هذه البقعة موطنًا مثاليًا للاستقرار البشري منذ آلاف السنين.

نقش وحجر

عثر الباحثون في قرية القصار التراثية على مجموعة ثرية من الآثار، تضم نقوشًا خُطّت على بعض أحجارها بالخط الحميري، ونقوشًا أخرى بالحروف اللاتينية القديمة، ونقوشًا تعود إلى عام 24 قبل الميلاد في منطقة الكدمي الواقعة داخل القرية. كما وُجدت كتابات بخط المسند الجنوبي تعود للعهد الحميري، إلى جانب آثار تعود إلى العهد الروماني، وبعض الرسومات والكتابات التي يعود بعضها للعهد الحميري أيضًا، إضافة إلى الحصن الأثري الذي يعود إلى الفترة الإسلامية المتأخرة. وهذا التنوع الكتابي واللغوي يجعل من قرية القصار سجلًا حضاريًا متعدد الطبقات، شهد تعاقب حضارات عربية جنوبية وأخرى متوسطية على هذه الجزيرة المنعزلة في قلب البحر الأحمر.

موسم الشدة

عرفت قرية القصار عادات اجتماعية فريدة ارتبطت بموقعها الجغرافي وطبيعة مناخها؛ ففي هذه القرية كان الفرسانيون يحيون مناسبات الزواج التي كانت تؤجل لمدة عام كامل، حتى يحل موسم الرحيل من جزيرة فرسان في فصل الصيف إلى قرية القصار، فيما عُرف بموسم "الشدة". وكان هذا الموسم يمثل هروبًا من شدة الحرارة في الجزيرة، حيث تتوافر في القصار المياه العذبة، وثمار وظلال أشجار النخيل، وساحة القرية الواسعة، والمنازل التي بُنيت جدرانها من الحجارة المتوفرة في الموقع نفسه، وسُقفت بأخشاب وسعوف الدوم والنخل، لتتحول القرية في هذا الموسم إلى مركز اجتماعي حيوي يجمع أهالي الجزيرة في احتفالاتهم ومناسباتهم.

صدف

تضم قرية القصار عددًا من الحارات، تضم كل حارة مجموعة من المنازل الحجرية، تتكون الواحدة منها من منزل حجري لا تتجاوز مساحته 20 مترًا مربعًا، يُطلقون عليه اسم "بيت"، وهو المقر الرئيس للعائلة، ويبلغ مجموع منازل القرية نحو 400 منزل. وبُنيت جميع جدران هذه المنازل من الحجارة المنحوتة والمشذّبة، فيما أُنشئت الأسقف من جذوع النخل أو شجر الدوم، وجريد النخل أو عيدان المِض، وفوق ذلك وُضعت طبقة من "الخبان"، وهي كتل كبيرة من الطحالب البحرية. وزُيّنت أفنية المنازل بأصداف البحر ذات اللون الأبيض، فيما يُعرف بـ"البطاح"، الذي يُفرش به كامل مساحة الأسوار المحيطة بالمنزل، والتي بُنيت أيضًا من الأحجار وزُيّنت بالنقوش الفرسانية المميزة، في تفصيل معماري يعكس مهارة أهالي فرسان في توظيف موارد بيئتهم البحرية والزراعية معًا.

إعادة الألق

حظيت قرية القصار في العصر الحديث باهتمام رسمي متجدد يعكس مكانتها التراثية والسياحية؛ إذ زار أمير منطقة جازان الأمير محمد بن ناصر بن عبدالعزيز القرية، وأبدى إعجابه واهتمامه بها، موجهًا بترميمها والمحافظة عليها. وجرت في القرية أعمال ترميم ورصف وتنسيق وإنارة، ضمن خطة الجهات المختصة لإحياء هذا الموقع التراثي وإعادة تأهيله بما يليق بمكانته التاريخية، مع الحرص على استقطاب مزيد من السياح والزوار الباحثين عن الوجهات المميزة في المملكة. وتُعد قرية القصار اليوم إحدى أهم الوجهات السياحية التراثية في جزر فرسان، إذ تجذب سنويًا أهالي المنطقة والقادمين إليها من مختلف أنحاء المملكة، الراغبين في التأمل في جمال هذه القرية وتاريخها الممتد عبر آلاف السنين.

ختامًا.. تبقى قرية القصار التراثية شاهدة على عمق التاريخ الإنساني في جزر فرسان، حيث تتجاور نقوش حميرية ورومانية على صخور واحدة، وتتشابك حكايات موسم الشدة مع جدران بيوت صمدت أمام الريح والزمن. من نقوشها التي توثق تعاقب الحضارات، إلى بيوتها الحجرية المزينة بأصداف البحر، إلى حصنها الذي يعود إلى العصر الإسلامي المتأخر، تختزل هذه القرية الصغيرة قصة جزيرة كاملة عاش أهلها على إيقاع البحر والنخيل، وتركوا في حجارتها ذاكرة لا تزال قادرة على أن تروي حكايتها لكل من يقصدها.